|
الدكتور ميلاد السبعلي:
رأسمال عربي من «الذكاء الاصطناعي»
للعرب دور في كل ميادين الذكاء، سواء كان طبيعياً او «اصطناعياً» لا سيما عندما يصبح الرأسمال البشري معرفياً لا مادياً، أى في عقول المبدعين.
ومن بين هذه العقول المبدعة المتخصصة في حقل الذكاء الاصطناعي، الدكتور ميلاد السبعلي، الذي أخذ على عاتقه الإسهام في مساعدة العالم العربي في العصر المعرفي، بتجربته الواسعة التي استقاها من اليابان، الرائدة في هذا الحقل الاستراتيجي. «علم وعالم» حاورت هذا العالم العربي وتلمست خبرته المنضوية تحت لواء مبدأ «التعلم مدى الحياة» وجاءت بنصائحه القيمة للافادة من «الذكاء الاصطناعي».
كعالم عربي ومن الرواد في حقل الذكاء الاصطناعي. درست في اليابان الاكثر تقدماً عن غيرها من الدول في هذا الحقل، عملت في شركات عملاقة مثل تويوتا وهيونداي، وسجلت براءات اختراع عدة باسمك، وتعمل حالياً على بناء جسور معرفية بين عالمك العربي وبين العالم المتقدم. فما الذي دفعك الى هذا الموضوع الصعب والمعقد؟
- لقد تعلمت وعملت في اليابان في بداية التسعينيات، وشهدت تلك الحقبة التحول من العصر الناعي الي العصر المعرفي. وكانت الصناعة في حينها قد شهدت تطوراً كبياً مع دخول الذكاء الاصطناي والانظمة الروبوطية، ما جعلها اكثر مرونة وطواعية لانتاج خيارات اكثر للمستهلك.
وقد تواكب هذا الار مع التحل الذي طرأ على اسواق العالم الحديث نذاك والتي اصبحت محكومة برغبات المستهلك Consumer Driven market بدلاً من الاعتماد على الانتاج الواسع mass Production Driven Market اي ان الاسواق اصبحت تستلزم المزيد من الذكاء في الجانب الانتاجي للسلعة.
وكانت دولنا العربية النامية غير قادرة على التنافس في المجال الصناعي لان الصناعة تحتاج الى مواد اولية بأسعار منافسة، واسواق كبيرة لتصريف الانتاج، وخبرات صناعية كانت اسرارها محصورة بالشركات الكبيرة في العالم الصناعي.
وخلال وجودي في اليابان عشت التجربة التي شهدها العالم، والتي تمثلت في دخول الاقتصاد العالمي الى العصر المعرفي. فقد اخذت الدول الصناعية تعتمد على معارف جديدة لصناعاتها الجديدة.
اين موقع الدول النامية من هذا التحول؟
- مع ظهور الانترنت اخذت المعارف تتوفر لعدد اكبر من الناس، واصبح الامر اسهل امام الدول النامية للدخول الى العصر المعرفي والانتاج في هذا العصر.
فقد بات الحصول على ادوات الانتاج في العصر المعرفي اسهل مقارنة بأدوات الانتاج في العصر الصناعي. وصار الرأسمال يقاس بالمعرفة وليس بالمادة، كما صار الانسان هو الرأسمال بقدر ما تستطيع ان توفر له معارف وتقنيات جديدة، حتى يستطيع الاشتراك في صنع القرار في اقتصاديات البلد الذي ينتمي اليه.
هل هذا جانب ايجابي من العولمة؟
- لا شك في ان للعولمة جوانب سيئة تتمثل في السياسات التي تؤدي الى سحق اقتصاديات معينة. لكنها تتوفر وفي شكل غير مقصود فرصاً لشعوب العالم النامي. هذا طبعاً اذا قامت هذه الشعوب باستغلال الفرص وبناء الكفاءات وزيادة رأسمالها البشري للدخول في العصر المعرtي والقيام بالتغييرات الجذرية لطبيعة اقتصادياتها.
اعود وأسأل. ما الذي دفعك الى العودة الى العالم العربي واطلاق سلسلة من الشركات لتبني المعرفة على مستويات مختلفة؟
- اثناء وجودي في اليابان كنت مدركاً انني لن ابقى هناك الى الابد. وكان امر العود الى العالم العربي بمثابة تحد، حيث اردت العودة والقيام بالمجهود اللازم لمساعدة الشعوب العربية للدخول في العصر المعرفي.
انت عملت في المجالات التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي في الصناعة والعالم العربي لا يمتلك صناعات كتلك الموجودة في اليابان، فكيف قررت العودة والعمل في تطبيقات الذكاء الصناعي في العالم العربي؟
- لان العالم العربي لا يمتلك صناعات كتلك الموجودة في اليابان وجدت انه من الضروري البحث عن تطبيقات اخرى للذكاء الاصطناعي في الادارة والتجارة والتربية. وعندما عدت اخذت اعمل في التجارة الالكترونية والحكومات الالكترونية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تطويرها.
وعالم التجارة الالكتروني اليوم تديره انظمة برمجية ذكية تحررك من السعي خلف امور عدة، فهي تقوم بهذه الامور بدلاً منك.
مع النمو الكبير لعمل البورصات في دول الخليج، هل تتوقع المزيد من الاستخدامات للذكاء الاصطناعي في تطوير هذه البورصات؟
- طبعاً، لا شك ان هناك حاجة للانظمة التي قد يكون بعضها موجوداً في العالم والبعض الآخر يحتاج الى تطوير.
هل تظن ان خبراتنا العربية والمحلية قادرة على مواكبة هذه الحاجة الى انظمة برمجية ذكية؟
- المسألة هنا هي تربوية بامتياز فلكي تستطيع مواكبة الانماط الاقتصادية الجديدة، يجب ان تكون لديك انظمة تربوية دينامية قادرة على مواكبة التطور الهائل في العلوم والتكنولوجيا وتطبيقاتها العملية.
والغاية هنا لا تقتصر على تخريج حملة شهادات فقط بل السعي الى ترسيخ مبدأ التعلم مدى الحياة عند كل المنخرطين في سوق العمل.
وانا اعتبر ان الشهادة الجامعية لها تاريخ انتهاء صلاحية (Expiry Date) فبعد سنوات قليلة من حصولك على شهادة جامعية ما ستصبح هذه الشهادة لا قيمة لها اذا لم تواصل عملية التعلم وانت منخرط في سوق العمل.
ورسالتي خلال السنين المقبلة هي العمل على ترسيخ مبدأ التعلم مدى الحياة ونقد المفهوم التقليدي للتربية الذي يكتفي بتعليق الشهادات على الجدران.
للتربية تأثير في الصناعة والتجارة وكل المجالات الاقتصادية.. في اي مفصل تربوي تتدخل شركاتك في المرحلة الابتدائية ام الثانوية ام الجامعية؟
- نتدخل في كل هذه المفاصل، وسأروي لك قصة تظهر اهمية التدخل في كل هذه المفاصل.
عندما عدت من اليابان وعملت في الجامعة الاميركية في دبي كأستاذ ورئيس قسم وعميد في كلية المعلوماتية. راقبت طلاب الجامعة الذين امضوا سنوات طويلة على مقاعد الدراسة في مدارسهم وهم يلقنون بالمعارف. فوجدت انهم غير قادرين على التفكير التحليلي والمنطقي عند وصولهم الي الجامعة.
فالعملية التربوية لا تبني طالباً لديه القدرة على الابداع والتجديد واتخاذ القرار او ايجاد الحلول للمشاكل التي يواجهها. العملية التربوية السائدة في العالم العربي لا تنتج الا مقلدين وحفظة للمعرفة.
وهناك مسألة اخرى تسترعي الاهتمام وهي علاقة الطالب المعرفة. وفي هذا الاطار تجد ان علاقة الطالب بالعملية المعرفية جامدة وضيقة، لانه لا يسعى الى اثراء معرفته بالمراجع المتوفرة في الكتب والانترنت، بل يحصر دراسته بالكتاب المقرر له في المنهاج.
إذاً هؤلاء الطلاب لن يستطيعوا الاستفادة من الامكانات الهائلة التي تقدمها الانترنت؟
- اذا لم يكن للطالب القدرة على التفكير المستقل والمبدع فهو بطبيعة الحال سيقف عاجزاً امام الافكار والحلول المتعددة.
نلاحظ في القرن الحادي والعشرين مسألة بالغة الخطورة وهي ان الحاجة الاقتصادية للقدرة على الابداع والتخطيط والمنافسة تملي على المجتمعات اي نوع من الناس يجب ان تبنيه؟
- لا يمكن ان ندخل في العصر المعرفي بالادوات المتخلفة التي كانت سائدة في العصور الماضية. واذا اردنا الخروج بسرعة من العصر المتخلف الذي نحيا فيه، فعلى مجتمعاتنا ان تبني جيلاً جديداً يمتلك قيماً جديدة تتيح له الاستفادة من المعارف الجديدة التي يقدمها العصر.
ما هو الحد الادنى المطلوب من المتعلم اليوم بغية فهم التطور السريع الذي تشهده اقتصاديات العالم؟
- انت بحاجة الى عقل نقدي مبدع ومجدد قادر على التفاعل مع الكم الهائل من المعلومات، والعمل بكفاءة ضمن المجموعة، والقدرة على التعبير بشكل مؤثر.
ويستتبع ذلك سؤال: ما هي الاختصاصات المطلوبة حتى نكون منتجين وغير مستهلكين في العصر المعرفي الحالي؟
وهذا السؤال هو في صلب عملنا وله علاقة بالتخطط الاستراتيجي للاقتصاد لكل دول المنطقة، وصولاً الى تحقيق التكامل الاقتصادي بين هذه الدول، وبالتالي تمكينها من التنافس في الاسواق العالمية المفتوحة.
هل لمست من خلال تواصلك مع اصحاب القرار في الحكومات الحاجة الى فتح الافق التربوي على الافق الاقتصادي؟
- اصحاب القرار غير مطلعين في الضرورة وفي شكل تفصيلي على التطورات العالمية، وهناك غياب كبير لمراكز الابحاث والتخطيط الاستراتيجي في المنطقة سواء الخاصة او الحكومية.
وحتى يستطيع صاحب القرار البت بأي موضوع ذي طبيعة مستقبلية وانمائية يجب ان تتوفر له المعلومات الكافية.
انت وفريق عملك تقودان عملية تأهيل تربوية ذات امتدادات اقتصادية مستقبلية، هل لك ان تفصّل لنا هذه العملية؟
- وجدنا ان البداية يجب ان تكون في احداث تغيير جذري في عملية التعلم وهذا يحتاج الى ادخال نماذج جديدة وتطبيقات جديدة عبر استخدام التقنيات الحديثة في هذه العملية وتحويل عملية التلقين داخل الصف الى عملية دينامية يكون الطالب محورها بدلاً من الاستاذ.
وفي الصف او بالاحرى خلال عملية التعلم التقليدية يتفاعل الطالب مع مادته الدراسية وزملائه الطلاب والاستاذ. والتفاعل الدراسي يكون مادة جامدة إما في الكتاب او اللوح.
لكن عند استخدام ادوات التعليم الجديدة مثل اللوح الالكتروني التفاعلي او الكومبيوتر والوسائط المتعددة والصوت والصورة والفيديو والانترنت وغيرها... تصبح العملية اكثر امتاعاً ويكون الطالب محورها قادراً على الولوج الى المعلومة ساعة يشاء.
هل لك ان تعطينا مثالاً على استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم؟
- الانظمة التعليمية الجديدة تقوم بتحويل كتاب الطالب الى محتوى تفاعلي الكتروني. وفي بداية الفصل يقوم الكتاب الالكتروني باجراء امتحان تقييمي للطالب لمعرفة مستواه وما ينقصه.
ويقوم الكتاب الالكتروني بجمع المعلومات التي تنقص الطالب والضرورية للسير في عملية التعلم ويضعها امامه. وهنا مثال كيف يصبح المحتوى التعليمي ذكياً وقادراً على تعزيز عملية التعلم عند الطالب.
ومع الوقت يقوم المحتوى بمراقبة الطالب ويواكب نقاط ضعفه لتصويبها وتعزيزها بالمعلومات المطلوبة.
وفي هذه العملية يكون الطالب اكثر اندماجاً وانخراطاً في عملية التعلم ويكون ذهنه دائم الحضور في العملية التعليمية.
وهذه العملية ضرورية لابقاء الطالب منتبهاً لان مدة الانتباه عند الطلاب في العملية التقليدية لا تتعدى الدقائق. والدرسات الحديثة تدل على ان المعلومات التي يستطيع الطالب الانتباه لها او تخزينها تزداد مع ازدياد النشاط المختلف للطالب مثل الاصغاء، القراءة، والتفاعل مع المادة عبر القيام بتجارب عدة.
هل بدأت بعض الدول العربية بالاستفادة من برامجكم التعليمية الجديدة؟
- طبعاً ونحن نستهدف ثلاثة محاور في الكثير من الدول العربية وهي:
- طلاب المدارس.
-طلاب الجامعات.
- الخريجون او غير الخريجين من الجامعات والمنخرطون في سوق العمل.
ونحن نتعاطى مع المؤسسات ان كانت تعليمية او تجارية ولا نتعاطى مع الافراد. فنحن نقوم بدراسة حاجات المؤسسة ونقدم رزمة كاملة متكاملة بناءً على هذه الحاجات.
أين تعمل شركتكم؟
- لدينا فروع في بيروت، دمشق، عمان، دبي، والكويت ونقوم حالياً بفتح فروع في الرياض وقطر. ولدينا مشاريع في كل هذه الدول على مستويات مختلفة.
كيف تحدد الهوة التي تفصلنا عن الدول الصناعية؟
- اذا اخذنا التربية كمقياس كونها تترك آثاراً كبيرة على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فأعتقد اننا بحاجة الى 10 سنوات حتى نصل الى سوية عالية في برامجنا التربوية.
ماذا عن الهوة في مجال التجارة الالكترونية والتي تفصلنا عن الدول المتقدمة؟
- اعتقد ان نمو التجارة الالكترونية سيكون ابطأ من نمو التعليم الالكتروني. والتجارة الالكترونية مطلوبة لزيادة التجارة البينية بين الدول العربية ولإحداث عملية التكامل بين عناصر القوة في الاقتصاديات العربية المتجاورة.
والتجارة الالكترونية خصوصاً بين الشركات Business to Business تساهم في تعريف الشركات العربية على المنتجات العربية. اما التجارة الالكترونية بين الشركات والمستهلك Business To Consumer فتحتاج الى ثقافة غير متوفرة في الاسواق العربية حالياً.
هل انت متفائل بنماذج الشركات التي تنشأ الآن في العالم العربي؟
- جداً، واعطيك مثالاً على شركتنا، فنحن نشارك في الكثير من المؤتمرات العالمية وشركتنا تنال الكثير من الاهتمام من شركات عالمية.
واعود وأؤكد لك انه لدينا فرصة وفرها لنا العصر المعرفي بطريقة غير مقصودة لاحداث التنمية المطلوبة للعقل العربي وبالتالي احداث التغيير الجذري في بنية اقتصادياتنا.
من هنا، يجب ان تصير مؤسساتنا التربوية ذات طابع بحثي وليس فقط تدريسي. واذا تم هذا الامر سينفتح المجال امام العقول العربية المهاجرة للعودة الى بلادها وتسريع عملية التنمية المطلوبة بإلحاح.
بالاضافة الى الفوائد التي لا تحصى من قيام بيئة علمية بحثية على الصعيد المحلي، هناك فائدة لا تقدر بثمن من خلال احداث عملية هجرة معاكسة تعزز الوسط العربي العلمي والاقتصادي.
|