|
كوكب الانسان بين جناحي فراشة!..
هل لفراشة تخفق بجناحيها في البرازيل ان تحدث اعصارا في تكساس؟
سؤال عنون به الأميركي ادوارد نورتون لورنز، عالم الرياضيات والأرصاد الجوية في معهد ماساشوستش للتكنولوجيا، الخطاب الذي ألقاه في الاجتماع التاسع والثلاثين بعد المئة للجمعية الأميركية للتقدم العلمي سنة 1972. الا أن هذا السؤال المثير، على غرابته، لم يشكل سوى العنوان لما سيصبح فيما بعد حقلا علميا تجاوز بمفاهيمه حدود العلوم الرياضية والبيولوجية والفيزيائية ليطال أيضا الانسان وبيئته وعلاقته بمحيطه. انه أثر الفراشة (Butterfly Effect).
التجربة والمفاجأة..
في أحد أيام فصل الشتاء من عام 1961، كان لورنز، الذي عرف بشغفه في الجمع بين علم الأرصاد الجوية والرياضيات، يقوم بعملية اعادة تدقيق في لائحة بيانات حول نموذج رياضي من تصميمه يربط توقع الحالة الجوية بمجموعة مؤلفة من 12 معادلة تفاضلية (Differential Equation) تجسد التغيرات التي تطرأ على درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وسرعة الرياح والضغط الجوي.. وذلك من ضمن نشاطه المعتاد في تتبع الأرصاد الجوية. واختصارا منه للوقت، قام، خلال عملية تلقين الحاسوب الرقمي بالبيانات، بادخال كسر يتألف من ثلاثة أرقام مجتزئا بالتالي الأرقام الثلاثة الأخرى التي يمكن للحاسوب استيعابها (506. بدل 506127.). هنا سقطت النتيجة المفاجئة فوق رأس لورنز كالصاعقة. فمع تراكم الأشهر التي عكف (لورنز) على دراستها، وجد أن التباين أخذ في الاتساع حتى انحرف الخط البياني للتحليل بالكامل عن ذلك الذي حصل عليه بادخال الأرقام كاملة قبل تجزئة الكسر المؤلف من ستة أرقام. وظن في البداية أن خللا ما قد أصاب حاسوبه المحدود السرعة والبدائي نسبة للمعايير المعتمدة اليوم، لكن بعد جهد في محاولة الكشف عن الخلل، تبين له أن الحاسوب سليم ولا يعاني من أي عطل فصب تركيزه حينئذ على اكتشاف خطأ ما في عملية ادخال الأرقام الى أن تمكن من وضع اليد على مكمن المشكلة. فقد أدرك أن ما قام به من حذف لجزء من الأرقام، ظنا منه أنها غير ذي أهمية لاختلافها بنسبة %1 عن الأرقام الأصلية، قد أثر جوهريا على نتائج تحليله.
دفعت هذه التجربة بلورنز الى الاعتقاد بأن توقع الأحوال الجوية في مدى يتجاوز الأسبوعين أوالثلاثة ليس سوى وهما وخيالا، كما وجد نفسه على طرفي نقيض مع العديد من العلماء الذين كانوا يعتقدون بعدم قدرة الاضطرابات الصغيرة التي تصيب الحالة الأساسية لنظام ما في التأثير على حالته النهائية. وانطلاقا من هنا، قام لورنز بنشر نتائج تجربته سنة 1963 في رسالة الى أكاديمية العلوم في نيويورك معلنا أن أحد خبراء الرصد الجوي لاحظ أن خفقة واحدة من أجنحة النورس يمكن أن تغير معالم الطقس الى غير رجعة. وهي الدراسة التي شكلت "تحفة فنية لناحية وضوح العرض الذي خلص الى صعوبة توقع الأحوال الجوية" حسب ج. دوين فارمر، الأستاذ في معهد سانتا في (نيو مكسيكو). ومع المحافظة، في أبحاثه اللاحقة، على جوهر الفكرة القائلة بقدرة العوامل الثانوية على تحويل نظام دوري وعادي الى نظام عشوائي النمط، أخذ لورنز بنصيحة أحد زملائه واستبدل النورس بالفراشة كمثال أكثر وقعا وشاعرية.
فما هو "أثر الفراشة" الذي قال عنه ادوارد أوت، أستاذ الفيزياء والهندسة الكهربائية في جامعة ميريلاند، أنه الصورة الأكثر واقعية للنماذج العشوائية؟
للفراشة أثر!
ينظر الى تعبير "أثر الفراشة" على أنه مسطلح تبسيطي لفكرة تقنية أكثر تعقيدا. وتدور هذه الفكرة حول التبعية الدقيقة للحالة الأساسية للأنظمة (Sensitive Dependence on Initial Conditions) في ما يعرف بنظرية الفوضى (Chaos Theory) التي تقوم على مبدأي ارتداد النظام في الاتجاه المعاكس نحو حالته الأساسية أولا والتبعية الدقيقة لهذه الحالة ثانيا. وكان لورنز أحد أبرز من روج لهذه النظرية التي رأى فيها العلماء الثورة الثالثة التي طبعت القرن العشرين بطابعها بعد النسبية ونظرية الكم بحسب كيري ايمانويل من معهد ماساشوستس. وفي الحقيقة لم يكن لورنز أول من تعرف الى الفوضى بمنظار علمي، فقد توصل عالم الفيزياء والرياضيات الفرنسي هنري بوانكاري في نهايات القرن التاسع العشر الى خلاصات صادمة ومخالفة لقوانين نيوتون النظامية حول الحركة والجاذبية، لكن هذه الخلاصات وقعت على أذن صماء طيلة النصف الأول من القرن العشرين الى حين تسليط لورنز الأضواء عليها.
وتفيد النظرية بأن الانحرافات البسيطة التي تطرأ على الحالة الأساسية لنظام ديناميكي معين يمكن أن تحدث تغيرات هائلة على المدى الطويل في السيرة السلوكية لهذا النظام. هذه الانحرافات تظهر في الكثير من الحالات عبر أشكال غامضة وصعبة التفسير في سلوك النظام، لذلك يسعى العلماء الى مقاربتها عن طريق أمثلة حية ومبسطة. ومن هذه الأمثلة أن يتم تغيير وضعية كرة صغيرة فوق تلة مرتفعة الأمر الذي قد يودي بهذه الكرة، بعد أن تبدأ بالتدحرج، كأن تنتهي في قعر واحد من عدة وديان مختلفة في سفح التلة. واذا ما عدنا الى مثال الفراشة وطبقنا عليه نظرية الفوضى، يعلل أنصار النظرية أن جناحي الفراشة قد يتسببان بتبدلات فائقة الصغر في الجو المحيط كسرعة الرياح واتجاهها الى النشاطات المناخية الأخرى والتي قد تفضي في النتيجة الى تبدل مسار اعصار ما، تأخير أو تسريع حدوثه أو ربما، أيضا، منع حدوثه في بقعة جغرافية معينة.
لكن كيف لكل ذلك ان يحدث؟
يشكل تخبط جناحي الفراشة تغيرا بسيطا في الحالة الأساسية للنظام الطقسي، حيث ينتج عن ذلك سلسلة من الأحداث التي بدورها تقود الى تبدل واسع النطاق في مجموع الظواهر الجوية. وقد يتساءل البعض هنا حول قدرة الفراشة، على الرغم من التعقيدات المذهلة في حركة جناحيها والتي يسعى المهندسون الى فهمها من أجل احداث ثورة في عالم الطيران، على التسبب باحداث اعصار.. وهو تساؤل له مبرراته كون الطاقة الحركية للاعصار (Kinetic Energy) تفوق بأضعاف مضاعفة طاقة جناحي الفراشة الحركية. هذا الكلام صحيح اذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الاعصار يستمد طاقته بشكل رئيسي من الشمس بينما تؤثر طاقة الفراشة عشوائيا على بعض التفاصيل الصغيرة في الحالة الجوية، لكن تعميم المثال يساعد على فهم النقطة الأساسية التالية: ان توقع سلوك نظام كبير ما على المدى البعيد هو، واقعيا، في حكم المستحيل لكثرة العوامل الصغيرة المؤثرة فيه -كما في النظام الطقسي- وبالتالي، تتطلب السيطرة على سلوك النظام ادراك جميع العوامل المرتبطة به على اختلافها كبيرة كانت أم صغيرة. وهنا بالتحديد تكمن الصعوبة الحقيقية في عملية التوقع والتي أشار اليها لورنز.
هذا من الناحية النظرية البحتة، أما التصاق هذا المفهوم بمفاصل حياة الانسان وبيئته فتلك حكاية أخرى.
قبل ذلك، لا بد من الاشارة الى ذهاب البشر بمخيلتهم بعيدا في محاكاة "أثر الفراشة" قبل تبلورها ضمن نظرية الفوضى بفترة طويلة. وفيما يلي لمحة موجزة عن نتاج المخيلة الانسانية.
أول الأثر.. في خيال الانسان
لقد سبقت مخيلة الانسان، في تناولها احتمال تأثير الاضطرابات الصغيرة في سلوك الأنظمة الكبيرة، نظرية الفوضى العلمية وذلك من خلال أعمال الخيال العلمي الكثيرة. ونذكر هنا على سبيل المثال الأعمال الأدبية لكل من جاك هادامارد سنة 1890 وبعده بيار دوهيم سنة 1906 اضافة الى قصة راي برادبوري "صوت الرعد" والتي تأمل فيها الكاتب بامكانية السفر عبر الزمن الى الماضي واحداث بعض التغيرات التي من شأنها التأثير في أحداث المستقبل وفي المفارقات التاريخية بشكل عام. فقد تحدثت القصة عن تأثير موت فراشة عاشت في عصر الدينوصورات على أحداث لاحقة كلفظ الكلمات في اللغة الانكليزية وتبدل مسار الأوضاع السياسية، وكان ذلك سنة 1952. أما بعد ظهور النظرية الى العلن، جاءت السينما لتلقي المزيد من الضوء عليها من خلال أفلام منها "الأبواب المنزلقة" (Sliding Doors) الذي صور قصتين متوازيتين عن حياة امرأة تمكنت من اللحاق بالقطار اللندني في أحد الأكوان وفشلت في اللحاق به في كون آخر، مصورا تأثير هذه الحادثة البسيطة على مجرى حياتها بالكامل. اضافة الى هذا الفيلم يأتي فيلم "تردد"(Frequency) في سنة 2000 الذي يدور حول والد وابنه تمكنا من التواصل عبر الزمن بواسطة موجات الراديو في محاولة لتغيير الماضي نحو الأفضل، ثم فيلم "أثر الفراشة" سنة 2005 الذي تناول التبدلات السلبية التي تحصل في الماضي والتي ترخي بظلالها على مستقبل أحد الأشخاص بحيث تتنوع حياة هذا الأخير تباعا من كونه عضوا في أخوية الى سجين الى شخص مبتور احد الأعضاء وفقا لكيفية تلاعبه بماضيه. ناهيك عن عدد من المسلسلات الأميركية التي أفردت بعضا من حلقاتها لهذه الفكرة ومنها The Simpsons و Scrubs و .Malcolm In The Middle
تعقيبا على ما سبق، لا بد من الحديث عن وقع "اثر الفراشة" على سلوك الانسان.
العلاقة المتينة
يجد العلماء بين"أثر الفراشة" وسلوك الانسان علاقة متينة تظهر تجلياتها في حيثيات التجارب التي تطغى على حياة هذا الأخير. فبناء على مشاهداته اليومية، لا يصعب على المرء ملاحظة كيف أن تغييرا ثانويا في حياة أحدهم يؤدي الى تبدل في سلوكه ومجرى حياته نحو اتجاهات غير متوقعة. ويعزو العلماء هذا التبدل السلوكي الى الأحداث والذكريات المحفوظة في عقل الانسان الباطني والمتراكمة فيه منذ نعومة الأظافر. ولاعطاء هذا التحليل حيزا من الواقعية الملموسة، يلجأ هؤلاء الى المثال الذي يصور واقعة اقدام أحد المراهقين على الانتحار من غير أن يكون قد مر بمرحلة أو بأخرى من مراحل الاكتئاب. فيقع ذويه حينها في حيرة من أمرهم بغية تحديد الدوافع والأسباب ليكتشفوا بعدها تفاصيل صغيرة في حياة المراهق لم يلتفتوا اليها باعتبارها سببا ممكنا للانتحار.
ننطلق من هنا لنطرق باب الشق الأشمل والمتعلق بتطبيق مفهوم "أثر الفراشة" على محيط الانسان البيئي والطبيعي.
نشاط مدمر!..
لا بد بداية من الاشارة الى شبكة الاعتماد المتبادل التي تحدد معالم مختلف العلاقات الطبيعية في كوكب الأرض والى تأثير انقراض أحد الأجناس على بقية أوجه الحياة. ويقول العلماء، في هذا الصدد، أن الكوكب شهد خلال 439 مليون سنة خلت خمس كوارث فناء، أدت في كل مرة الى محو ما بين %50 و%95 من أشكال الحياة من بينها تلك التي هيمنت في حينه. ويضيف هؤلاء أننا اليوم وسط كارثة الفناء السادسة حيث حلت سابقتها في عصر الدينوصورات التي اختفت قبل 130 مليون سنة. لكن الخطير هنا هو كون الانسان، هذه المرة، ضالعا في تسريع حدوث الكارثة ومعرضا لخطر الانقراض مثله في ذلك مثل بقية الكائنات. في هذا الاطار يتوقع عالم البيولوجيا في جامعة هارفرد ادوارد ويلسون أن استمرار الحال على ما هي عليه اليوم سوف يعرض نصف أجناس الحيوان والنبات الى الانقراض بحلول عام 2100. وبسبب الاعتماد المتبادل للأجناس على بعضها البعض
يتخوف سبعة من بين كل عشرة علماء بيولوجيين أن يهدد هذا الخطر وجود الانسان بما يفوق تهديد ظاهرة الاحتباس الحراري له، وذلك حسب استطلاع قام به المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي. أضف الى ذلك تحذير الصندوق العالمي لحماية الطبيعة من أن التنوع في العالم تراجع بمعدل الثلث تقريبا في السنوات الخمس والثلاثين الماضية، والذي اشارالى أن الفترة الممتدة بين 1970 و2007 شهدت تراجع الأنواع التي تعيش على الأرض بواقع %25 والأنواع التي تعيش في البحر بنحو %28 وتلك التي تعيش في المياه العذبة بنسبة %29. وانطلاقا مما سبق، يقول الخبراء أن معظم الأغذية والأدوية في العالم تأتي أساسا من الطبيعة وأن تضاؤل الأنواع يجعل بقاء البشر عرضة للمخاطر. وهنا لا يتردد هؤلاء في التنبيه من أن تراجع التنوع البيولوجي يعني ان ملايين البشر سيواجهون مستقبلا تكون فيه امدادات الطعام والمياه اما غير كافية واما مرتعا للأوبئة والأمراض القاتلة.
رب سائل يسأل هنا عن سبب سرد كل هذه الوقائع..
السبب بسيط، فعندما يشارك ملايين البشر في احداث تبدل في تفاصيل النظام البيئي يؤدي ذلك التصرف، غير المسؤول في معظم الأحيان، الى تغيرات عظيمة ومدمرة أحيانا لذلك النظام. اذ يتفق الخبراء على أن النشاط الانساني، بمختلف تجلياته، قد أحدث بالغ الأثر في النظام البيئي للكوكب، ويضيفون أن هذا النشاط، ربطا بنظرية الفوضى و"أثر الفراشة"، يساوي على المستوى الجماعي جراء تراكم الأعمال الفردية الانسانية في شتى أنحاء الأرض، العمل "السلبي" لبلايين الفراشات مجتمعة. فالضرر الذي ألحقه البشر في معظم المواطن البيئية الحيوانية والنباتية على الأرض، بدءا من تلوث مياه البحار والمحيطات مرورا بالتبدلات الكيمياثية في تركيبة التربة وتقلص المساحات الخضراء ووصولا الى اتلاف الغلاف الجوي بالانبعاثات الغازية المختلفة، مهد لنتائج كارثية على مستوى التنوع البيولوجي، المدافع الأول عن الكوكب في وجه الكوارث الطبيعية، ولنا في "مجاعة البطاطس الايرلندية" الشهيرة خير دليل على ذلك.
النظرة القاتلة..
وأخيرا،
لقد شهدت سنة 2008 وفاة ادوارد لورنز، رائد نظرية الفوضى والأب الشرعي لأثر الفراشة عن عمر يناهز التسعين عاما. لكن قبل ذلك بسنوات، وخلال تسلمه عام 1991 لجائزة كيوتو للعلوم الأساسية في مجالي الأرض والكواكب، بادرته اللجنة المانحة بأنه مؤسس المبادئ النظرية في فهم التوقعات المناخية وصاحب الانجاز الجريء في اكتشاف نظرية الفوضى وأثرها البالغ في مروحة واسعة من العلوم، وبأنه الرجل الذي تسبب بواحد من أكثر التبدلات المثيرة في نظرة البشرية للطبيعة منذ أيام اسحق نيوتون.
أجل، لقد تبدلت تلك النظرة.. لكنها تحولت الى نظرة قاتلة!
روني عبدالنور
|